الراغب الأصفهاني

189

الذريعة إلى مكارم الشريعة

والرؤيا هي فعل النفس الناطقة ، ولو لم تكن لها حقيقة لم تكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة ، واللّه تعالى يتعالى عن الباطل . وهي ضربان : ضرب وهو الأكثر أضغاث أحلام وأحاديث النفس من الخواطر الرديئة . لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج الذي لا يقبل صورة . وضرب وهو الأقل صحيح وذلك قسمان : قسم لا يحتاج إلى تأويل ، وقسم يحتاج إلى تأويل « 1 » ، ولهذا يحتاج المعبر إلى مهارة ليفرق بين الأضغاث وبين غيرها ، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية ، ويفرق بين طبقات الناس ، إذ كان فيهم من لا يصح له رؤيا ، وفيهم من تصح رؤياه ، ثم من يصح له ذلك منهم من يرشح أن يلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة ، ومنهم من لا يرشح له ذلك ، ولهذا قال اليونانيون : يجب للمعبر أن يشتغل بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام ، وذلك لأن لهم حظا من النبوة ، وقد قال عليه السّلام : « الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » وهذا العلم يحتاج إلى مناسبة بين متحريه وبينه ، فرب حكيم لا يرزق حذقا فيه ، وربما نزر الحظ من الحكمة وسائر العلوم يرزق حظا فيه « 2 » وتوجد له فيه قوة عجيبة . وأما الزكانة : فضرب من الفراسة ، وهي معرفة فعل باطن بفعل ظاهر بضرب من التوهم ( يقال ) قد زكنت وأزكنت « 3 » . والقيافة : ضرب من الزكانة لكنه أدق وهو ضربان : أحدهما : بتتبع أثر الأقدام والاستدلال به على السالكين ، والثاني : الاستدلال بهيئة الإنسان

--> ( 1 ) « وقسم يحتاج إلى تأويل » ساقطة من ط مع ضرورتها في التقسيم . ( 2 ) « يرزق حظا فيه » تفردت بها د . ( 3 ) « قد زكنت وأزنكت » أسقطت من ط ، ود .